بهاء الدين الجندي اليمني
396
السلوك في طبقات العلماء والملوك
محبة اللّه قديما لم يؤثر فيها أعراض التبغيض حديثا ، وإذا كانت المعصية من اللّه قديما لم يؤثر فيها أعراض التحبيب حديثا ، ويكفي على ذلك شاهد معصية آدم وطاعة إبليس ، فلما هبط آدم إلى أرض شقوته من حصن رتبته بمن فيه من ذوي نفوس ذريته عادت عوائد محبوبهم فنزل إلى السماء الدنيا شوقا إلى تقريبهم وجني من بعديتهم ليالي الأيام الدائرة إلى أن - يطلع فجر الآخرة ينادي بلسان التنبيه هل من تائب ؟ وسئل عن قوله صلّى اللّه عليه وسلم من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني ومن أحدث وتوضأ ولم يصلّ ركعتين فقد جفاني ، ومن صلّى ركعتين ولم يدعني فقد جفاني ومن دعاني فلم أجبه فقد جفوته ، ولست بربّ جاف فقال للسائل : معنى الخبر في الشريعة ظاهر وهو في الحقيقة إشارة إلى أن كل مولود يولد على الفطرة حتى يتهود أو يتنصر أو يتمجّس أو يشرك أو يعصي « 1 » ، وذلك حدث ناقض لوضوء الفطرة ولا طهارة من هذا الحدث إلا بماء التوبة من توضأ من إحدى هذه النواقض بماء التوبة خرج من جفاء الحدث إلى تجديد العهد ، ومن صلّى بعد هذا الوضوء ركعتين مقبلا على اللّه مقتديا برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم خرج من جفاء المخالفة إلى ودّ المؤالفة ، ومن دعا بعد هذه الصلاة خرج عن جفاء العناء عن نبيه إلى خضوع الافتقار إليه فلا جرم أنه يستجاب له ويدخل في صف الأحباب بين يدي رب الأرباب ، مولده قرية ذي الجنان حيث تقدم ذكر « 2 » أبيه مع ذكر الإمام يحيى بن أبي الخير ، ثم في آخر الأمر تأهل بامرأة من يفرس القرية المذكورة فسكن معها ورفض ذي الجنان ولم يزل بها حتى توفي وكانت له كرامات شهيرة يطول تعداد بعضها . وكان كثيرا ما يرد إلى السمكر ، إحدى قرى الجند ، وله بها أصحاب كثيرون أدركت جماعة منهم . وبالقرية كتاب فيه معظم كلامه ، أخبرني خبير بما ذكر أن جماعة من السمكر خرجوا عازمين على زيارته إلى يفرس أو ذي الجنان ومع كل منهم شيء من الدنيا ، يريد أن يتقرّب به ، فلما وصلوا إليه وسلموا عليه سلّم كل واحد منهم ما جاء به للنقيب « 3 » ثم لبثوا ما شاء اللّه وعادوا بلدهم ، وفي أول ليلة لم يقم أحد منهم من نومه حتى وجد ما راح به ، وكانت وفاته ليلة السبت العشرين من رجب سنة خمس وستين وستمائة بقرية يفرس ، وقبر بها على باب مسجد لطيف وهو القبر الملتصق
--> ( 1 ) المحفوظ في هذا الحديث كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهوّدانه أو ينصرانه أو يمجّسانه . ( 2 ) هذا تكرار ، فقد تقدم ذكر مولده . ( 3 ) النقيب : ويقال له نقيب الباب وهو الواسطة بين الولي والناس معروف إلى هذه الغاية وللنقيب معنى آخر .